

أبي... رحمه الله
رجلًا آمن بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه، لا فيما يملكه. عاش حياته عصاميا مكافحا مجتهدا، لا يعرف الكلل، ولا يلين أمام الصعاب، يواجه تحديات الحياة بعزيمة راسخة وايمان لا يتزعزع.
كان الحمد رفيق لسانه، والقرآن أنيس قلبه، والصلاة ملاذه، والدعاء سكينته. يسعى نهارًا، ويعمل ليلًا، لا يبتغي من الدنيا إلا أن يرى أسرته آمنةً مطمئنة، وأن يمنح أبناءه حياةً كريمة، يغرس فيهم قيم الصدق، والاعتماد على النفس، واحترام الناس، وحب الخير.
وفي سنوات الحرب، حين ضاقت الأرض بما رحبت، حمل مسؤولية أسرته بقلب الأب الذي لا يعرف التراجع، متنقلًا بهم بين الرصاص والقذائف بحثًا لهم عن الأمان. لم يكن يخشى على نفسه بقدر ما كان يخشى على من أحب.
رحل أبي... لكن أثره لم يرحل. بقيت سيرته حيّة في نفوسنا، وفي كل خلق زرعه فينا. ترك فينا إرثًا لا يُقاس بالمال، بل بالمحبة، والكرامة، والإخلاص، والطيبة، والرحمة، واحترام الناس.
أمي... رحمها الله
أما أمي، فكانت نعمةً من نعم الله، وقلبًا امتلأ رحمةً وإيمانًا ورضًا.
كانت صاحبة خُلُقٍ رفيع، وتربيةٍ أصيلة، ووجه بشوش يبعث الطمأنينة في كل من يلقاها. عاشت حياتها مؤمنةً صابرة، قريبةً من ربها، لا ينقطع الدعاء عن لسانها، ولا يُردّ محتاج قصد بابها، ولا يبخل قلبها بخيرٍ على أحد.
وبعد رحيل والدي، حملت الأمانة وحدها ثلاثةً وثلاثين عامًا، فكانت الأم والأب، والمربية والمعلمة، والسند الذي لا يميل. احتضنت أبناءها وأحفادها بحنانها، وربّتهم على الإيمان، والأخلاق، والكرامة، وغرست في نفوسهم حب الخير، والصبر، والاعتماد على الله في كل أمر.
كانت تواجه مصاعب الحياة بقلبٍ مطمئن، ويقينٍ لا يتزعزع، وصبرٍ يليق بالمؤمنين. لم تكن تشكو، بل كانت تُسلّم أمرها لله، وتستقبل أقداره بالرضا، وتواصل مسيرتها بصمتٍ يملؤه الإيمان، وقوةٍ تستمدها من قربها من الله.
أكرمها الله بأداء فريضة الحج والعمرة، فازداد تعلقها بربها وجعلت العبادة زادها، والقرآن أنيسها، والإحسان منهجها، والرضا عنوان حياتها. وكانت صاحبة اليد الخضراء والنفس الجميلة؛ إذا غرست أزهرت الأرض، وإذا اعتنت بشيءٍ دبت فيه الحياة، وإذا مرّت تركت في المكان أثرًا من الجمال والطمأنينة.
كانت هي الحياة والربيع الذي أزهرت به أيامنا. كانت شمسًا تدفئ قلوبنا، وقمرًا ينير ليالينا، وملاذًا نلوذ به كلما اشتدت بنا الأيام. كانت الحب الذي جمعنا، والأمل الذي يسكن أرواحنا، والقلب الدافئ الذي احتوانا، والسكينة التي كانت تملأ بيتنا، والذاكرة الجميلة التي لا يبهت نورها...
رحلت... ولكنها بقيت فينا...
بقيت في أخلاقنا التي ربتنا عليها، وفي دعواتها التي ترافق أيامنا، وفي كل زاويةٍ من حياتنا تشهد على حنانها وعطائها. وما زالت ذكراها تُزهر في القلوب كلما ذُكرت، وكأن حضورها لا يزال يملأ المكان دفئًا وسكينة. فالأمهات لا يرحلن حقًا؛ إنهن يبقين أثرًا طيبًا، وذكرى لا يذبل عبيرها... إنها أمي...
ومهما اجتهدت الكلمات، وتعانقت الحروف، وامتدت السطور، فستبقى عاجزةً عن الوفاء بحقها؛ فهي أكبر من أن تحتويها الكلمات، وأجمل من أن تختصرها العبارات...
فيارب اغفر لهما، وارحمهما، وعافهما، واعف عنهما، وأكرم نزلهما، ووسّع مدخلهما، واجعل القرآن شفيعًا لهما، واجمعنا بهما في الفردوس الأعلى من الجنة، واجعل ما قدّماه في حياتهما نورا إلى يوم الدين.
